فخر الدين الرازي

217

القضاء والقدر

اعلم : أن حال هذه المسألة : حال عجيبة . وذلك لأن الخلق أبدا كانوا مختلفين فيها ، بسبب أن الوجوه التي يمكن الرجوع إليها في هذه المسألة متعارضة متدافعة . وتقرير ذلك : أن نقول : الجبرية : عوّلوا في تقرير قولهم على أن الممكن لا بد له من مرجّح . وهذه المقدمة مقدمة بديهية . وإذا كان الأمر كذلك ، فالقادر على الضدين يمتنع أن يرجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح . وذلك المرجح ليس منه ، وإلا لزم التسلسل ، بل هو من اللّه . وحينئذ يلزم الجبر . وأما القدرية : فقد عولوا في تقرير قولهم : على أن حسن المدح والذم معلوم بالبديهة . ونعلم بالبديهة : أنه لو لم يكن العبد قادرا على الفعل لما حسن المدح والذم . وما كان أصلا للبديهي : أولى أن يكون بديهيا . فالحاصل : أن عمدة الجبرية هي أن الممكن لا بد له من مرجح . وعمدة القدرية : هي حسن المدح والذم . وهما مقدمتان معلومتان بالبديهة . فقد وقع التعارض بين هاتين المقدمتين في هذا المقام . وأما الدلائل العقلية : فاعتماد الجبرية على أن هذه التفاصيل ، غير معلومة لنا فلا تكون مخلوقة لنا . واعتماد القدرية على أن هذه الأفعال ، واقعة على وفق مقصودنا ودواعينا . فهي منّا . فقد وقع التعارض بين دليل العلم ودليل القصد . وأما الإلزامات العائدة إلى باب الكمال والنقصان . فاعتماد الجبرية على حرف واحد ، وهو أن القدرة على الإيجاد صفة كمال ، فلا تليق بالعبد الذي هو منبع النقصان . واعتماد القدرية على حرف واحد ، وهو أن أفعال العباد سفه وعبث ، وإيجادها نقصان . وذلك لا يليق بالإله المتعالي عن النقصان . وأما الدلائل السمعية . فالقرآن مملوء مما يوهم الجبر تارة ، ومما يوهم القدر أخرى . وأما الأنام « 1 » فكذلك جميع الملل والنحل ، بعضهم مجبرة ، وبعضهم قدرية . ولا ترى أمة

--> ( 1 ) قال الشهرستاني في الملل والنحل في حق أمم اليهود واختلافهم في القدر : « الربانيون كالمعتزلة فينا والقراءون كالمجبرة -